الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

146

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

تعالى على خلقه . قوله عليه السّلام : " وأراهم بها محجته " أي أعلمهم أي الخلق بسبب العقول ، التي مازجت شواهدهم محجته أي أنبياءه ورسله والأئمة ، وما جاؤوا به من عند اللَّه ، وما بيّنوه من المعارف وغوامض العلوم والأدلة العقلية . فإن كلّ هذه إنما يراه الإنسان والخلق منهم عليهم السّلام ويقبله منهم عليهم السّلام بالعقل الممزوج بشواهدهم وحواسّهم . وقوله عليه السّلام : " وأنطقهم عما شهدته بألسن ذربة ، بما قام فيها من قدرته وحكمته ، وبيّن عندهم بها ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بينة 8 : 42 وأن اللَّه لسميع بصير شاهد خبير " ، الخطبة . يريد عليه السّلام بهذا أنه تعالى جعل تلك الحجة الباطنة ، التي مازجت حواسهم ، وتحققت في نفوسهم أعني العقل بمثابة من الدرك والنورانية والوضوح ، بحيث أنطقهم عما شهدته نفوسهم بعقولهم بألسن ذربة فصيحة بليغة ، كما أشير إليه في قوله تعالى : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن اللَّه 31 : 25 وكذلك ساير آيات الفطرة ، وساير الأحاديث الدالة على أن التوحيد هي الفطرة المشار إليها في قوله تعالى : فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها 30 : 30 كما في توحيد الصدوق وغيره . وإنما نطقوا بذلك بألسن ذربة فصيحة بسبب ما قام وثبت فيها ، أي في نفوس الخلق من قدرته وحكمته ، التي ظهرت للإنسان ، ويتخلق بالعقل الكائن فيه ، وبسبب أنه تعالى بيّن عندهم تلك الحقائق بتلك العقول . وحينئذ فمن هلك فإنما يهلك عن بينة ، ثابتة في ذاته ونفسه ، أعني عقله حيث خالف عن وضوح ما هو حقيقته وفطرته ، ويحيى من حي كذلك بالعقل والوضوح ، لا بالجهل والاتفاق . وقوله عليه السّلام : " وإن اللَّه لسميع بصير شاهد خبير ، " إشارة إلى أن الإنسان بما له من الأفراد المتفاوتة في الترقي بالعقل إلى الدرجات العالية ، أو المتنازلة بجهله وسوء